فخر الدين الرازي

612

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

قول ابن عباس وجماعة من أهل العلم ، قال : أبو علي السوسي : هذا لا يصح لوجهين : أحدهما : أنه لا يعرف من أسماء اللّه « أيل » والثاني : أنه لو كان كذلك لكان آخر الاسم مجروراً « 1 » . أما قوله تعالى : فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ ففيه سؤالات : السؤال الأول : الهاء في قوله تعالى : « فإنه » وفي قوله : « نزله » إلى ما ذا يعود ؟ الجواب فيه قولان : أحدهما : أن الهاء الأولى تعود على جبريل والثانية : على القرآن وإن لم يجر له ذكر لأنه كالمعلوم كقوله : ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ [ فاطر : 45 ] يعني على الأرض وهذا قول ابن عباس وأكثر أهل العلم . أي إن كانت عداوتهم لأن جبريل ينزل القرآن فإنما ينزله بإذن اللّه . قال صاحب « الكشاف » : إضمار ما لم يسبق ذكره فيه فخامة لشأن صاحبه حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته ، وثانيها : المعنى فإن اللّه نزل جبريل عليه السلام لا أنه نزل نفسه . السؤال الثاني : القرآن : إنما نزل على محمد صلى اللّه عليه وسلم فما السبب في قوله نزله على قلبك ؟ الجواب : هذه المسألة ذكرناها في سورة الشعراء في قوله : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ، عَلى قَلْبِكَ [ الشعراء : 193 ] وأكثر الأمة على أنه أنزل القرآن عليه لا على قلبه إلا أنه خص القلب بالذكر لأجل أن الذي نزل به ثبت في قلبه حفظاً حتى أداه إلى أمته ، فلما كان سبب تمكنه من الأداء ثباته في قلبه حفظاً جاز أن يقال : نزله على قلبك وإن كان في الحقيقة نزله عليه لا على قلبه . السؤال الثالث : كان حق الكلام أن يقال على قلبي ، والجواب : جاءت على حكاية كلام اللّه كما تكلم به كأنه قيل : قل ما تكلمت به من قولي ، من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك . السؤال الرابع : كيف استقام قوله : فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ جزاء للشرط ؟ والجواب فيه وجهان : الأول : أنه سبحانه وتعالى بين أن هذه العداوة فاسدة لأنه ما أتى إلا أنه أمر بإنزال كتاب فيه الهداية والبشارة فأنزله ، فهو من حيث إنه مأمور وجب أن يكون معذوراً ، ومن حيث إنه أتى / بالهداية والبشارة يجب أن يكون مشكوراً فكيف تليق به العداوة ، والثاني : أنه تعالى بين أن اليهود إن كانوا يعادونه فيحق لهم ذاك ، لأنه نزل عليك الكتاب برهاناً على نبوتك ، ومصداقاً لصدقك وهم يكرهون ذلك فكيف لا يبغضون من أكد عليهم الأمر الذي يكرهونه . أما قوله تعالى : بِإِذْنِ اللَّهِ فالأظهر بأمر اللّه وهو أولى من تفسيره بالعلم لوجوه . أولها : أن الإذن حقيقة في الأمر مجاز في العلم واللفظ واجب الحمل على حقيقته ما أمكن . وثانيها : أن إنزاله كان من الواجبات والوجوب مستفاد من الأمر لا من العلم . وثالثها : أن ذلك الإنزال إذا كان عن أمر لازم كان أوكد في الحجة . أما قوله تعالى : مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ فمحمول على ما أجمع عليه أكثر المفسرين من أن المراد ما قبله من كتب الأنبياء ولا معنى لتخصيص كتاب دون كتاب ، ومنهم من خصه بالتوراة وزعم أنه أشار إلى أن القرآن يوافق التوراة في الدلالة على نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم . فإن قيل : أليس أن شرائع القرآن مخالفة لشرائع سائر الكتب ، فلم صار بأن يكون مصدقاً لها لكونها متوافقة في الدلالة على التوحيد ونبوة محمد أولى بأن يكون غير مصدق لها ؟

--> ( 1 ) كلام السوسي إنما يتأتى لو كان : « جبر » و « إيل » عربيتين ولكنهما عبرانيتان . والإضافة في اللغة العبرانية لا توجب كسر الاسم باعتباره مضافاً إليه .